وظائف

(صحافسيون ) في سوق (بروس ) بضاحية مايو .. الشعيرية ،المكرونة و الشيبس تباع بـ (الملوة)

 

سلع منتهية الصلاحية تباع في وضح النهار وغياب تام حماية المستهلك : على الجهات المختصة مراقبة الأسواق الشعبية

مواطنون : هي المتاحة لظروفنا ولا يمكن أن نحرم أنفسنا، ويومي بناكل منها ولسة ما متنا

تحقيق :عرفة خواجة

الفقر تسبَّب في وجود منظر غير مألوف بأطراف العاصمة، حيث الأغذية واللحوم الفاسدة (الكرتة)، ولا ننكر أن الظروف الاقتصادية السيئة  تجبر الإنسان  على البحث عن البدائل من أجل الحياة ، ، كما أن هذه الظروف، أيضاً، حرمت أغلب المواطنين  من شراء سلع جيدة بأسعار  باهظة، الأمر الذي يقود البعض بالمناطق الطرفية لشراء السلع الغذائية منتهية الصلاحية أو التي شارفت على الإنتهاء أو أنتهت صلاحيتها، معتقدين أنها لا تشكِّل خطورة صحية عليهم، الا انها تعتبر  بداية المشكلات الصحية، وهناك أسواق مخصصة لعرض هذه الأغذية كأسواق (بروس ) بضاحية مايو، حيث الغرائب والعجائب.

مشهد أول

كنت قد ذهبت إلى أحد الأسواق بالمناطق الطرفية، وبمجرَّد وصولي السوق  لفتت إنتباهي مكبرات الصوت  التي يستخدمها التجارو لجذب الزبائن يسوِّقون بضائعهم منتهية الصلاحية، (علبة الصلصة (٣)جنيهات، والمربى الكبير (٥) جنيهات، الدجاج المشوي الكوم (٥) جنيهات، وهكذا يعرض التجار بضائعهم في العراء، إقتربت من  أحد التجار وبدأت في تفحص علبة لبن بدرة، خاصة وأن سعرها  الزهيد قد أثار حاستي الصحفية ، دهشت جداً عندما أخبرني أن سعرها (٧)جنيهات فقط ، عندها فاجأني التاجر قائلاً: (أكلي ساي عوجة ما بتجيك الموت واحد، هسي أنتِ بتقدري تشتري العلبة الأصلية بـ( ١٠٠)جنيه؟، هنا أيقنت تماماً أننا أصبحنا على المحك وهؤلاء الناس أصبحوا لا يخشون الموت ،بقدررغبتهم في سد رمقهم، هذا المشهد يتكرَّر يومياً في المناطق الطرفية.

مشهد ثانٍ 

بينما كنت أتفقد تلك الأغذية الفاسدة لفت إنتباهي مشهد النساء وهن يقمن بتسويق لحوم جاهزة، وهي عبارة عن بقايا (سمك، فراخ، سجق) لا تصلح للتناول الآدمي، بل هو ذو رائحة  نتنة، رغم ذلك يباع وسط السوق وبكميات مهولة، حيث بلغ سعر (الكوم ) خمس جنيهات، بينما بلغ سعر الفراخ (٧) جنيهات، ويباع البيرقر بواقع (٣) قطعات بجنيهين، هذا المشهد يتكرَّر بشكل يومي في سوق (بروس) بضاحية مايو، ذلك السوق الغريب من نوعه.

كرتة

والغريب في الأمر أن بقايا الطعام تباع في سوق بروس بالكوم ويؤتى بها من قبل مختصين يطوفون الليل على بيوت المناسبات، وفي الصباح يعرضون بضاعتهم على المارة، ومن هذه (الكرتة)  يتم  عرضها في أوقات مبكِّرة من الصباح، وحول الأسعار فإن كوم البيرقر بـه ثلاث قطعات يباع بـ( ٣) جنيهات، وقطعة الدجاج الكبيرة  بـ( ٥) جنيهات، والبيتزا (٢)جنيه،  والسامبكسة واحد جنيه، وفي جانب آخر يباع الشيبس بالملوة وسعره (٥)جنيهات، وتباع علبة الصلصة منتهية الصلاحية منذ العام الماضي بـ(2) جنيه، وعلبة الكاسترد الكبيرة بـ(٣) جنيهات، الشعيرية والمكرونة تباع في مكان بالملوة بـ(٥) جنيهات، والملوة الكبيرة بـ(١٠) جنيهات.

تجار يتبرأون

من داخل سوق (بروس) بمنطقة مايو تحدَّث إلينا “ناصر عبد الله”، صاحب متجر عن رفضه لفكرة بيع السلع شبه الفاسدة للمواطن الذي يجهل عواقبها التي تكلِّفه الكثير من المال للتخلص من أعراضها، وأكد أن معظم المواد الغذائية المعروضة بالأسواق لا تتحمَّل الحرارة، ومن المعروف أن السودان بلد درجات الحرارة فيه تصل إلى أبعد مدى، ويجب وضعها في المحال التجارية في أماكن رطبة حتى لا تتأثر بالعوامل المناخية التي تعمل على فسادها بصورة واضحة، ويضيف أن أشعة الشمس التي تباع عليها هذه السلع كافية بأن تفتك بها ،وهي تكون عرضة للأشعة المباشرة وكثير من الأغذية لا تتحمَّلها، تحديداً المعلَّبة وتتغيَّر نكهتها، وقد لا تكون ملاحظة للمواطن، ولكن إذا ما قورنت بالمخزَّنة جيداً يكون الفرق واضح، وأرى أن ما يحدث تسببه الضغوطات التي يعيشها المواطن ،وفي نهار رمضان كل ما تقع العين عليه تحبه النفس وتتلهف عليه وتكون النتيجة غير مرضية للصحة

إغــراء وفــائــدة

وتقول المواطنة “سعدية أمين”، موظفة بإحدى المؤسسات الخاصة: إن بيع الأغذية منتهية الصلاحية أو التي شارفت على الإنتهاء فيه إغراء للمواطن وفائدة للتاجر، حيث أنه يصعب عليه شراؤها من المحال الكبرى، وينتظر اللحظة التي يقوم فيها التاجر بجرد بضاعته ليرضي نفسه منها، ويعتقد الكثير من المواطنين أن السلعة بعد إنتهاء صلاحيتها يمكنها أن تصمد لفترات بعد ذلك، متجاهلين أن كمية الحرارة التي تعرض عليها تقوم بإفسادها وقتياً، وتضيف أرى أن المسؤولية الرقابية على السلع والمنتجات الغذائية أمر في غاية الأهمية، خصوصاً بعد أن تجاوزت هذه الظاهرة درجة المألوف وأصبحت المواقف تزدحم بها، وغض نظر الجهات المختصة  عنها أمر غير مستحب، لأنها تشكل خطراً على صحة المواطن ،والكثير منا يجهل ما يترتب على ذلك، والضغوطات الإقتصادية لها دورها الأكبر خلف ركوض المواطن السوداني لشراء سلع فاسدة، حيث أنه لا يمكنه إرضاء وإشباع رغبته، إلا عن طريق الجرد الذي يقوم به أصحاب المحال الكبرى،
عادي جداً 
رغم تلك المخاطر التي تسببها المواد الغذائية منتهية الصلاحية أو التي تشارف على ذلك، إلا أن الإقبال عليها كبير وبصورة ملاحظة ،كان من بين المشترين شاب في نهاية العقد الثلاثين يعمل بمهنة هامشية قال: لا أرى ضيراً بها ولم أصاب بأذى منها إلى يومنا هذا، وكل ما يقال عبارة عن أعيرة لم تصبني بالذعر، ومن المعروف أن السعر مناسب وفي متناول الجميع ولا يمكن لأحد أن يحتجب عن الشراء بهذه السيولة المتاحة، وإذا فكَّرت في شرائها من المتجر لا أستطيع، لأن الفرق واضح في السعر، ويضيف: أرى أن الله يعلم مدى حاجتنا إليها، فهو الحارس لنا من الإصابة بسوئها، ونأمل أن يتغيَّر الحال إلى الأفضل حتى لا تكون هنالك مواد غذائية فاسدة، لأنه إن وجدت السيولة لتم بيع كل السلع دون وصولها إلى مرحلة التلف.

الأعمار بيد الله 

وقالت إحدى النساء  -التقيت بها داخل السوق- أنها دائماً ما تشتري من تلك المواد ولا يصيبها أذى ، وأضافت قائلة :(يومي بنأكل من المنتجات دي ولسه حيين ما متنا، ونحن ذاتنا ما عندنا قدرة نشتري بسعر غالٍ بدل نحرم نفسنا أخير ناكل والأعمار،بيد الله).

حماية المستهلك تحذِّر

وبالمقابل حذَّر رئيس اللجنة الإقتصادية بجمعية حماية المستهلك دكتور نصر الدين، المواطنين من عدم شراء الأغذية منتهية الصلاحية، وذلك لما يترتب عليها من أضرار صحية، كما ناشد الجهات المختصة بضرورة مراقبة الأسواق الشعبية للقضاء على الظاهرة، وقال إن هناك بلاغات كثيرة بخصوص ذلك، واصفاً الوضع بالخطر، مبيِّناً أن الأغذية منتهية الصلاحية موجودة في الأسواق بكثرة.

عــواقــب وخــيــمــة

تحدث إلينا من إحدى المستشفيات الكبرى أحد الأطباء – فضَّل حجب اسمه – من أهم الإحتياطات سلامة الأغذية والمشروبات، مؤكداً أنها تعتبر أحدى المتطلبات الأساسية لضمان صحة الإنسان ومن أجل تأمين هذه السلامة تم وضع ما يعرف بفترة الصلاحية ،وهي المسافة الزمنية التي تحدِّد تاريخ إنتهاء السلعة، ويختلف طول الفترة بحسب طبيعة السلعة وتركيبها الكيميائي وخواصها الفيزيائية ومحتواها من الماء ودرجة حساسيتها تجاه عوامل الفساد المختلفة وطبيعة العبوة التي توضع عليها وقدرتها على توفير الحماية الضرورية للمادة الموجودة في داخلها على مختلف الصُعد المتعلقة بالنقل والتداول والتخزين، ويضيف: إن فترة الصلاحية قد تكون أياماً معدودة لبعض المنتجات مثل: الألبان وبعض مشتقاتها وشهوراً لأخرى مثل: العصائر والمشروبات، وسنوات للأغذية المجففة والمعلَّبة والمجمَّدة ،وحتى تكون فترة الصلاحية دليلاً أكيداً على جودة المنتج لابد من تأمين الظروف المناسبة للتخزين والنقل والتوزيع، بدءاً بالصانع ومروراً بالتاجر والبائع وإنتهاءً بالمستهلك، لأنه في حال عدم التقيُّد بهذه الظروف فإن فترة الصلاحية تكون حبراً على ورق، وأكد أن التسمم الغذائي هو أكثر العواقب شيوعاً نتيجة إنتهاء فترة الصلاحية وتظهر علاماته في فترة زمنية قصيرة وتكون في شكل غثيان وتقيوء وإسهالات ومغص في البطن وحمى وفي بعض حالات التسمم قد يتأثر الجهاز العصبي، ويواصل حديثه أن مدة صلاحية الأغذية في غاية الأهمية، وهناك مسألة أخرى لا تقل أهمية عن مدة الصلاحية هي فوائد تلك الأغذية، حيث أنها تميل إلى الإضمحلال بعد فتح العبوة أو مع مرور الوقت، وهنالك عوامل تعمل على تدهور هذه الفوائد وهي الضوء والحرارة والأوكسجين، إن مدة الصلاحية تطبَّق على الكثير من المواد غير الأغذية والمشروبات والأدوية ويروق لبعض التجار شراء كميات كبيرة وتخزينها للإستفادة منها بغرض جني أرباح ومبالغ طائلة، والمشكلة الأكبر تحدث عند تزوير مدة الصلاحية بحيث يتم تجديدها كلما إنتهت مدتها ،وهذا السلوك تنتج عنه عواقب صحية وخيمة، لأن بعض السلع تحتوي على مركبات كيميائية يمكنها في حال إنتهاء صلاحيتها أن تسبب أمراضاً خطيرة كالعقم والسرطانات .

تسمم غذائي

وبالمقابل حذَّرت خبيرة التغذية “فاطمة مصطفى”، من تناول الأطعمة منتهية الصلاحية أو التي تشارف على الإنتهاء، ويجب حماية الأفراد منها خصوصاً الأطفال وتناولها يفتح الباب على مصرعيه أمام الإصابة بالتسمم الغذائي، وتضيف يلجأ الكثيرون إلى إستخدام سلعة مضت أيام قليلة على إنتهائها ،اعتقاداً منهم بأن مرور بضعة أيام على هذا التاريخ ليس بمشكلة ،ولكن هذا التصرُّف يعتبر الخطأ بأم عينه، لأنه يعرِّض صاحبه إلى أخطار صحية كبيرة، وأرى أن المستهلك عليه أن يتحاشى الممارسات الخاطئة التي تقصر من فترة الصلاحية مثل شراء الأغذية الحساسة للبرودة أو نقل المشتريات في ظروف حرارية سيئة أو ترك المنتجات المبرَّدة خارج الثلاجة، وتقول: إن للخبز، أيضاً، مدة صلاحية تتراوح من يوم إلى خمسة، وذلك حسب نوع الدقيق والإضافات التي تم دسها فيه ،وبعد إنقضاء هذه الفترة يكون الخبز غير مقبول شكلاً أو مضموناً ،ومن الأشياء المؤسفة شراء الأدوية التي شارفت مدتها على الإنتهاء، وفي الوقت الذي من حق المستهلك أن يرفض فيه شرائها، ولكن يرجع ذلك إلى عدم إلمام الأغلبية السودانية بثقافة التركيز مع تاريخ الإنتهاء تحديداً كبار السن والأمهات، وأنوِّه جميع من تقف أقدامه عند الباعة الذين يفترشون الأرض يبيعون السلع التي قاربت نهايتها أن يتجنَّبوا هذه الظاهرة… قد تكون رخيصة وفي متناول أيديهم، ولكنها تكلَّفهم الكثير حتى يتخلصوا من تأثيرها الغذائي عليهم.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.